صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

292

شرح أصول الكافي

وبإزاء هؤلاء جماعة أخرى ذهبت إلى انّ لا مؤثر في الوجود الا الله المتعالى عن الشريك في الخلق والايجاد فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا علة لفعله ولا راد لقضائه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ « 1 » ، قالوا لا مجال للعقل في تحسين الافعال وتقبيحها بالنسبة إليه بل يحسن صدور كلّها ، واما المسماة بالأسباب فليست أسبابا على الحقيقة وانّما ارتبط بها بحسب الظاهر وجود الأشياء ولا مدخل اما في سببية وجودها ، لكنّه تعالى اجرى عادته بان يوجد الأشياء عقيب تلك الأسباب فكل ، من الأسباب والمسببات صادرة منه ابتداء ، قالوا في ذلك تعظيم لقدرة اللّه وتقديس له عن شوائب النقصان والحاجة في التأثير إلى شيء اخر ، فهذان الفريقان واقعان في طرفي التضاد ، أحدهما يسمّى بالقدري والاخر بالجبرى وكلاهما أعور دجّال . وذهب آخرون إلى أن الأشياء في قبول الوجود متفاوتة فبعض منها لا يقبل الوجود الا بعد وجود شيء اخر كالعرض ، فإنه الّذي لا يقبل الوجود الّا بعد وجود الجوهر وكالمركّب لا يقبل الوجود الّا بعد وجود جزئه ، فقدرته سبحانه تامة كاملة في غاية الكمال يفيض الوجود منه تعالى على الممكنات كلّها بحسب قابليّتها المتفاوتة ، فبعضها صادرة منه بلا واسطة وبعضها بواسطة أو وسائط ، فمثل ذلك لا يدخل في الوجود الّا بعد سبق أمور أخرى لا لنقصان في القدرة بل لنقصان في القابلية . وكيف يتوهم النقصان والاحتياج في القدرة مع انّ سبب المتوسّط أيضا صادر عنها ، فالله سبحانه غير محتاج في ايجاد شيء إلى ما ليس بصادر عنه . وقالوا لا ريب في وجود موجود على أكمل وجه في الخير والوجود ولا في انّ صدور الممكنات عنه يجب ان يكون على أبلغ النظام ، فالصادر عنه اما خير محض كالملائكة العلوية ومن ضاهاها من العقول الانسانيّة واما ما يكون الخير فيه غالبا على الشر فيكون الخيرات داخلة في قدرة الله تعالى بالأصالة والشّرور اللازمة للخيرات داخلة فيها بالتبع كما سبق ذكره . ومن ثم قيل : ان الله يقضى الكفر والمعاصي الصادرة عن العباد لكن لا يرضى

--> ( 1 ) . الأنبياء / 23